الشريف الجرجاني

52

الحاشية على الكشاف

جعل المحامد كلها مختصة به تعالى ، وفساده ظاهر لأن اختصاص الجنس به تعالى مستلزم اختصاص أفراده أيضا ، إذا لو وجد فرد منه لغيره لثبت الجنس له في ضمنه ، وقيل مبنى على أن هذه المصادر نائبة مناب أفعالها سادة مسدها والأفعال لا تعد ودلالتها على الحقيقة إلى الاستغراق . ورد بأن ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة المقام واقتضاء الحال . وقيل إنما اختاره بناء على أن الجنس هو المتبادر إلى الفهم الشائع في الاستعمال لا سيما في المصادر وعند خفاء قرائن الاستغراق ، وهو أيضا مردود لأن المحلى بلام الجنس في المقامات الخطابية يتبادر منه الاستغراق وهو الشائع في الاستعمال سواء كان هناك مصدرا أو غيره ، وأي مقام أولى بملاحظة الشمول والإحاطة من مقام تخصيص الحمد بالله تعالى تعظيما له وتمجيدا . فقرينة الاستغراق فيما نحن فيه كنار على علم ، والحق أن السبب في الاختيار هو أن اختصاص الجنس مستفاد من جوهر الكلام ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد ، فلا حاجة في تأدية المقصود الذي هو ثبوت الحمد لله تعالى وانتفاؤه عن غيره إلى أن يلاحظ الشمول والإحاطة ويستعان فيه بأن خارج عن اللفظ ، بل نقول على ما اختاره يكون اختصاص جميع الأفراد ثابتا بطريق برهاني أقوى من إثباته ابتداء . فإن قلت : فكيف صح على مذهبه تخصيص جنس الحمد بالله تعالى ؟ قلت : صح ذلك بناء على أن أفعالهم الحسنة التي يستحقون بها الحمد عندهم إنما هي بتمكين الله تعالى وإقداره عليها ، فمن هذا الوجه يمكنه جعل الحمد راجعا إليه تعالى أيضا ، وقد أشار إلى ذلك حيث قال في سورة التغابن : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله تعالى ، ثم قال : وأما حمد غيره فاعتداد بأن نعم الله تعالى جرت على يديه ، ولا يرد على ذلك أفعالهم القبيحة التي يستحقون بها الذم أيضا بإقدار الله تعالى وتمكينه ، فتكون المذمة أيضا راجعة إليه لما تبين في علم الكلام أن إقدار المختار على الأفعال الحسنة حسن وعلى القبيحة ليس بقبيح . وربما يجاب بأن يجعل الجنس في المقام الخطابي منصرفا إلى الكامل كأنه كل الحقيقة من باب - ذلك الكتاب - وحاتم الجواد . قيل ومن ههنا يظهر أن الحمل على الجنس دون الاستغراق محافظة على مذهبه ، وفيه نظر لجواز الحمل على الاستغراق دون الجنس أيضا بتنزيل محامد غيره تعالى منزلة العدم بالقياس إلى محامده ، فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في أنهما ينافيان ظاهرا طريقة الاعتزال ، وأن منافاتهما تندفع بأحد الوجهين المذكورين ( قوله والذي جسرهما ) قيل فيه جسارة لإشعاره بأن قراءتهما نشأت عن متابعة أحكام اللغة بلا رواية والسلف مبرؤون عنها ، فإن قراءتهم مأخوذة بخصوصياتها عن روايات وصلت إليهم ، لكن المصنف لا يتحاشى عن أمصال ذلك بناء على ما روى من الإذن بقراءة القرآن بسبع لغات ، فلا يجب النقل في خصوصية كل قراءة ، على أنه لا يبالي من إسناد القراءة المتواترة إلى صورة الكتابة في المصحف ، فإسناد غيرها إلى قاعدة اللغة أولى ( قوله وأشف القراءتين ) أي أفضلهما ، والشف من الأضداد يطلق على الزيادة والنقصان ، والحركة الإعرابية مع طريانها أقوى من الحركة البنائية مع دوامها ، لأن الإعرابية موضوعة علما لمعان مقصودة يتميز بها بعضها عن بعض ، فالاخلال بها يؤدى إلى التباس